الجاحظ

310

الحيوان

تَعْلَمُونَ فليوقد نارا في وسط غيضه ، أو في صحراء بريّة ثمّ ينظر إلى ما يغشى النار من أصناف الخلق من الحشرات والهمج فإنّه سيرى صورا ، ويتعرّف خلقا لم يكن يظنّ أنّ اللّه تعالى خلق شيئا من ذلك العالم . وعلى أنّ الخلق الذي يغشى ناره يختلف على قدر اختلاف مواضع الغياض والبحار والجبال . ويعلم أنّ ما لم يبلغه أكثر وأعجب . وما أردّ هذا التأويل ، وإنّه ليدخل عندي في جملة ما تدلّ عليه الآية . ومن لم يقل ذلك لم يفهم عن ربّه ولم يفقه في دينه . 322 - [ ديدان الخل والملح ] « 1 » كأنّك لا ترى أنّ في ديدان الخلّ والملح ، والدّيدان التي تتولد في السّموم إذا عتقت وعرض لها العفن - وهي بعد قواتل - عبرة وأعجوبة ، وأنّ التفكّر فيها مشحذة للأذهان ، ومنبهة لذوي الغفلة ، وتحليل لعقدة البلدة « 2 » ، وسبب لاعتياد الرويّة وانفساح الصدور ، وعزّ في النفوس ، وحلاوة تقتاتها الرّوح ، وثمرة تغذّي العقل ، وترقّ في الغايات الشريفة ، وتشرّف إلى معرفة الغايات البعيدة . 323 - [ فأرة البيش والسمندل ] وكأنّك لا ترى أنّ في فأرة البيش « 3 » وفي السمندل « 4 » آية غربية ، وصفة عجيبة ، وداعية إلى التفكّر ، وسببا إلى التعجّب والتّعجيب . 324 - [ الجعل والورد ] وكأنّك لا ترى أنّ في الجعل « 5 » ، الذي متى دفنته في الورد سكنت حركته وبطلت في رأي العين روحه ، ومتى أعدته إلى الرّوث انحلّت عقدته ، وعادت حركته ، ورجع حسه - أعجب العجب ، وأحكم الحكم ! . 325 - [ حصول الخلد على رزقه ] وأيّ شيء أعجب من الخلد « 6 » ! وكيف يأتيه رزقه ، وكيف يهيّئ اللّه له ما

--> ( 1 ) وردت هذه الفقرة في ثمار القلوب ( 637 ) . 344 . ( 2 ) في ثمار القلوب « البلادة » ، والكلمتان بمعنى واحد . ( 3 ) فأرة البيش : دويبة تغتذي السموم فلا تضرها . ثمار القلوب ( 611 ) ، وحياة الحيوان 2 / 139 . ( 4 ) السمندل : طائر يدخل في التنور ولا يحترق ريشه . ثمار القلوب ( 611 ) ، وحياة الحيوان 1 / 573 . ( 5 ) الجعل : دويبة تعض البهائم في فروجها فتهرب ، وهو أكبر من الخنفساء . حياة الحيوان 1 / 278 . ( 6 ) الخلد : دويبة عمياء صماء ، لا تعرف ما بين يديها إلا بالشم ، فتخرج من جحرها وتفتح فاها ؛ فيأتي الذباب فيقع على شدقها ، فتدخله جوفها بنفسها . حياة الحيوان 1 / 423 .